غزوة بني قريظة
أمر جبريل النبي ﷺ عقب الخندق مباشرة ألا يضع أحد سلاحه حتى يأتي بني قريظة، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل المقاتلة وسبي الذراري.
شرح مصوَّر
السيرة النبوية الحلقة 20 ( غزوة بني قريظة ) HD
الشيخ نبيل العوضي
الرواية
لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع سلاحه واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام فقال: أوضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: إلى بني قريظة، فإن الله يأمرك أن تأتيهم. فأمر رسول الله ﷺ مؤذنًا فأذّن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فسار الناس، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها وإن خرج وقتها، وقال آخرون: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدًا من الفريقينحدّاد يعمل الحديد ويصنع الأدوات والسيوف. فسار حتى نزل عليهم فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، فقال لهم حيي بن أخطب - وكان قد دخل معهم حصنهم وفاء بعهده لهم بعد أن نقض عهد النبي ﷺ -: يا معشر يهود، قد نزل بكم ما ترون، فهلموا فلنسلم وندخل في دين محمد، فقد تبين لكم أنه نبي مرسل. فأبوا وسألوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ حليفهم القديم من الأوس رجاء أن يرفق بهم.[١]
فبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ - وكان قد جُرح في الخندق وضُرب له خيمة في المسجد - فحُمل على حمار وحوله قومه الأوس يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك فقد أحسن في مواليك من كان قبلك، وأنت تعلم ما بيننا وبينهم من الحلف والمودة. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فلما دنا من الحصن قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم»، فحكم سعد أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم ونساؤهم وتُقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعةالسماوات، كقولهم سبعة أرقعة أي سبع سماوات»، فخُندق لهم خنادق في سوق المدينة وضُرب أعناقهم فيها، وتولى تنفيذ القتل فيهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام،[٤] وكانوا ما بين ستمائة وسبعمائة، وقُتل معهم حيي بن أخطب، وقد أُتي به إلى رسول الله ﷺ مجموعة يداه إلى عنقه، فلما نظر إليه قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يُخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر ومَلحمة كُتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضُربت عنقه.[٥] وسُبيت نساؤهم وذراريهم وقُسمت أموالهم كما تُقسم الغنائم، وأصاب رسول الله ﷺ منهم ريحانة بنت عمرو فكانت في ملكه حتى ماتت عنده.[٢][٣]
ومن عجيب ما وقع في تنفيذ هذا الحكم أن ثابت بن قيس بن شماس كانت له عند الزبير بن باطا القرظي يد قديمة في الجاهلية إذ منّ عليه، فسأل رسول الله ﷺ أن يهبه دمه وأهله وماله ففعل، فقال الزبير: شيخ كبير لا أهل له ولا مال بعد قومه، لا خير في العيش بعدهم، فسأل أن يُلحق بهم ففُعل.[٦]
وكان عمرو بن سعدى القرظي - وحده من بين بني قريظة - قد أنكر على قومه نقض عهد النبي ﷺ ورفض أن يشاركهم في الغدر، فخرج من حصنهم ليلًا هاربًا بدينه، ولم يُعرف له خبر بعد ذلك، فلما بلغ رسول الله ﷺ أمره قال: «ذاك رجل نجاه الله بوفائه».[٧]