صلح الحديبية
صدّت قريش النبي ﷺ عن دخول مكة، فبعث عثمان سفيرًا فاحتُبس وأُشيع قتله فبايع الصحابة تحت الشجرة على الموت، ثم كاتب سهيل بن عمرو النبي ﷺ صلحًا مدته عشر سنين، فأنزل الله سورة الفتح تصفه بالفتح المبين.
شرح مصوَّر
المعارك الكبرى || الفتـح المبيـن= صُلح الحُديبيـة || للشيخ سمير مصطفى
قناة الشيخ سمير مصطفى الرسمية
السيرة النبوية الحلقة 22 ( صلح الحديبية ) HD
الشيخ نبيل العوضي
الرواية
لما نزل رسول الله ﷺ الحديبية أرسل خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرًا للبيت معظمًا لحرمته، فعقروا ناقته وكادوا يقتلونه، ثم بعث عثمان بن عفان إلى أشراف قريش يخبرهم بذلك ويستأذنهم أن يطوف بالبيت، فحبسته قريش عندها واختلفت الأخبار حتى أشيع أنه قد قُتل. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت شجرة سمرة على ألا يفروا، وقيل بايعوه على الموت، وكان أول من بايع أبو سنان الأسدي، وضرب النبي ﷺ بيده اليمنى على اليسرى وقال: «هذه عن عثمان»، فسُميت بيعة الرضوان لقول الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.[١][٣]
وقبل أن يُصالح النبي ﷺ سهيل بن عمرو، أرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي يفاوضه، فجعل كلما كلم النبي ﷺ أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأسه ﷺ بالسيف والمِغفرقلنسوة من حلق الحديد تُلبس تحت الخوذة لحماية الرأس والعنق، فيضرب يده كلما مسّ اللحية ويقول: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك، فيقول عروة: من هذا؟ فيقال: المغيرة بن شعبة. ثم جعل عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيمًا له، فرجع عروة إلى قريش فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، وإني والله ما أرى القوم يُسلمونه لشيء أبدًا، فروا رأيكم.[٦]
فلما بلغ قريشًا عزم المسلمين على القتال جبنوا عن ذلك ورضوا بالصلح، فأرسلوا سهيل بن عمرو يفاوض النبي ﷺ، فتراضيا على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، وأنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه ردّه إليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع محمد لم يردوه، وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن يرجع محمد عامه هذا فلا يدخل مكة، وفي قابل يدخلها بأصحابه فيقيم بها ثلاثًا لا يدخلها إلا بسلاح الراكب السيوف في القُرب. فلما أراد أن يكتب الكتاب قال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: أما الرحمن فلا أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال رسول الله ﷺ: «اكتبوا باسمك اللهم»، ثم قال: «اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله ﷺ: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله»، ثم قال لعلي بن أبي طالب - وكان هو كاتب الصحيفة -: «امح رسول الله»، فقال علي: والله لا أمحوك أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: «أرني مكانها»، فأراه إياها، فمحاها رسول الله ﷺ بيده الشريفة وكتب مكانها: محمد بن عبد الله، وكان لا يحسن الكتابة.[٧] وقد كان عمر بن الخطاب أول من راجع النبي ﷺ في قبول هذه الشروط، فقال له: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: «بلى»، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى»، قال: فلمَ نُعطي الدنية في ديننا إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري»، قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قال: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوّف به».[٩] ثم كان عمر بن الخطاب يجيء فيتكلم في ذلك ويأتي أبا بكر فيقول له مثل ما قال للنبي ﷺ، ويقول أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله، فيقول عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، قال عمر بعد ذلك: فما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا.[٨]
وبينما هم كذلك جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيودهيمشي مثقلًا بقيوده متعثرًا بها قد أفلت من أهل مكة فرمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال رسول الله ﷺ: «إنا لم نقض الكتاب بعد»، قال: فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمجيزه لك، فقال المِكرَز بن حفص: بلى قد أجزناه لك، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُردّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان قد عُذب في الله عذابًا شديدًا - فاشتد ذلك على المسلمين حتى كاد عمر يضرب بسيفه على أبيه، ولكن رسول الله ﷺ صبّره وقال: «يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك عهد الله ولسنا نغدر بهم».[٢]
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. ثم أنزل الله على رسوله وهو راجع إلى المدينة سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، فقال عمر: أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم»، وكان هذا الصلح فتحًا مبينًا حقًّا لأنه أطلق الدعوة من قيود الحرب فدخل في الإسلام في السنتين التاليتين له من الناس أضعاف من دخل فيه من قبل.[٤][٥]
آيات نزلت في هذا السياق
- سورة الفتح ١–٢٩قراءتها في Quran.com ↗
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا
سبب النزول: نزلت سورة الفتح كاملة في صلح الحديبية
مكانها في مسار الوحي ←
أحداث فرعية ورِوايات
- نحو ذو القعدة ٦ هـ · السنة ١٩ من البعثة · مارس ٦٢٨ م · سن ٥٨الخروج لأداء العمرةخرج النبي ﷺ في ألف وأربعمائة من أصحابه معتمرين لا يريدون قتالًا، وأحرموا من ذي الحليفة وساقوا الهدي، فلما بلغوا عُسفان بلغهم صد قريش لهم فسلك بهم طريقًا وعرًا حتى نزل بذي طوى من الحديبية.
- ذو القعدة ٦ هـ · السنة ١٩ من البعثة · مارس ٦٢٨ م · سن ٥٨بيعة الرضوان تحت الشجرةحين أُشيع مقتل عثمان دعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة تحت شجرة سمرة على ألا يفروا، فبايعه أكثر من ألف وأربعمائة، فرضي الله عنهم وأنزل فيهم: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة.
- ذو القعدة ٦ هـ · السنة ١٩ من البعثة · مارس ٦٢٨ م · سن ٥٨قصة أبي جندل بن سهيلأفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو من عذاب قومه وقد أسلم، فرمى بنفسه على المسلمين بالحديبية، فطالب أبوه بردّه بحكم الشرط، فردّه النبي ﷺ وفاءً بالعهد وصبّره ووعده فرجًا.
- نحو ذو الحجة ٦ هـ · السنة ١٩ من البعثة · أبريل ٦٢٨ م · سن ٥٨قصة أبي بصير وتجمع الهاربين بسيف البحرأفلت أبو بصير من قريش بعد إسلامه فرده النبي ﷺ وفاء بشرط الصلح، ثم قتل أحد الرجلين اللذين جاءا به وهرب إلى سيف البحر، فتبعه المستضعفون من مكة حتى ضاقت قريش بهم فطلبوا إلغاء ذلك الشرط.