فتح مكة
خرج النبي ﷺ في عشرة آلاف سرًّا حتى نزل مر الظهران، فأسلم أبو سفيان والعباس، ثم دخل مكة من أعلاها متواضعًا يقرأ سورة الفتح، فلم يُقاتل إلا من قاتل، وحطّم الأصنام وقال: جاء الحق وزهق الباطل، وعفا عن قريش وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
شرح مصوَّر
المعارك الكبرى || فتــح مكـة || للشيخ سمير مصطفى
الراشدين للمرئيات الإسلامية
السيرة النبوية الحلقة 25 ( فتح مكة ) HD
الشيخ نبيل العوضي
الرواية
لما تحقق نقض قريش للعهد أمر رسول الله ﷺ الناس بالتجهز سرًّا وكتم الخبر، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها»، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بمسير النبي ﷺ ليتخذ به يدًا عندهم لأن أهله بمكة، وأرسله مع امرأة، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك فبعث عليًّا والزبير في أثرها فأخذا الكتاب منها، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: «ما حملك على هذا؟» قال: يا رسول الله، لم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولكن كنت امرأً ليس لي في القوم من أتقي به عن أهلي وأنا لهم صهر، فأردت أن اتخذ عندهم يدًا، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: «وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».[١]
فخرج رسول الله ﷺ في عشرة آلاف من المسلمين، فلما نزل مر الظهران قريبًا من مكة، خرج العباس بن عبد المطلب - وكان قد أسلم قبل ذلك وأخفى إسلامه - فلقي أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يريدون استطلاع الخبر، فحمل العباس أبا سفيان خلفه على بغلته حتى أدخله على رسول الله ﷺ، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن». ثم أمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي حيث يرى جيش المسلمين، فمرت به القبائل كتيبة كتيبة حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، من هذه؟ فأخبره فقال: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا، فقال العباس: إنها النبوة، فقال أبو سفيان: نعم إذًا.[٢]
ولما سارت الكتائب نحو مكة، مرّ سعد بن عبادة صاحب لواء الأنصار بأبي سفيان بن حرب وهو ينادي: اليوم يوم الملحمةالمعركة الشديدة القتل، لا القصيدة الملحمية، اليوم تُستحل الحرمة، فشكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله ﷺ وخشي أن يكون فيه استئصال لقريش، فأمر رسول الله ﷺ أن يؤخذ اللواء من سعد ويُدفع إلى ابنه قيس، وقال: «اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله فيه قريشًا».[٦] ثم دخل رسول الله ﷺ مكة من أعلاها من كداء، ورأسه منحنٍ على راحلته تواضعًا لله حتى تكاد لحيته الشريفة تمس واسطة الرحل، وهو يقرأ سورة الفتح، وأمر أصحابه ألا يقاتلوا أحدًا إلا من قاتلهم، وأمّن الناس إلا نفرًا يسيرًا سماهم ممن آذى الإسلام أذى بالغًا كعبد الله بن خطل وابن أبي سرح ومقيس بن صبابة وقينحدّاد يعمل الحديد ويصنع الأدوات والسيوفتين كانتا تغنيان بهجائه، فقُتل بعضهم واستُؤمن لبعضهم فأمّنه. ولم يكن قتال يُذكر إلا في جانب من الجيش حيث دخل خالد بن الوليد من أسفل مكة فقاتله بعض المشركين فقُتل منهم نفر يسير.[٣]
ثم أتى رسول الله ﷺ الكعبة فطاف بها على راحلته سبعًا يستلم الركن بمحجن في يده، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بمحجنه ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فجعلت تتساقط لوجوهها، ثم دخل الكعبة فوجد فيها صورًا فأمر بمحوها، وصلى فيها ركعتين، ثم خرج فوقف على باب الكعبة وقريش قد صفت في المسجد ينتظرون ما يصنع بهم، فقال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ثم قرأ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ثم أمر بلالًا فأذّن على ظهر الكعبة، فنظر إليه أبو سفيان وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام فقالوا كلمات كفر، فأخبر جبريل النبي ﷺ بمقالتهم فدعاهم وأخبرهم بما قالوا وهم لم يشعروا أن أحدًا سمعهم، فأسلموا.[٤]
ومن مواقف العفو الفردية يومئذ ما رُوي أن فضالة بن عمير الليثي همّ بقتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه سمّاه النبي ﷺ وقال: «ماذا كنت تحدث به نفسك؟» فقال: لا شيء، كنت أذكر الله، فتبسم النبي ﷺ وقال: «استغفر الله»، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فقال فضالة: فوالله ما رفع يده عني حتى ما كان خلق أحب إليّ منه، فأسلم من ساعته.[٧]
آيات نزلت في هذا السياق
- سورة الإسراء ٨١قراءتها في Quran.com ↗مكانها في مسار الوحي ←
- سورة النصر ١–٣قراءتها في Quran.com ↗
سبب النزول: نزلت بعد فتح مكة تؤذن بقرب أجل النبي ﷺ
مكانها في مسار الوحي ←
أحداث فرعية ورِوايات
- رمضان ٨ هـ · السنة ٢١ من البعثة · يناير ٦٣٠ م · سن ٦٠إسلام العباس وأبي سفيان بمر الظهرانكان العباس قد أسلم سرًّا فلقي أبا سفيان وحكيم بن حزام يستطلعان الخبر بمر الظهران، فأدخل أبا سفيان على النبي ﷺ فعرض عليه الإسلام حتى أسلم حين رأى الجيش الذي لا قِبل له به.
- رمضان ٨ هـ · السنة ٢١ من البعثة · يناير ٦٣٠ م · سن ٦٠تطهير الكعبة من الأصنامطاف النبي ﷺ بالكعبة وحولها ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل يطعنها بمحجنه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فتساقطت لوجوهها، ثم دخل البيت فمحا ما فيه من الصور وصلى فيه.
- رمضان ٨ هـ · السنة ٢١ من البعثة · يناير ٦٣٠ م · سن ٦٠خطبة الطلقاءوقف النبي ﷺ على باب الكعبة يوم الفتح فخطب قريشًا معلنًا إبطال مفاخر الجاهلية وأن الناس لآدم وآدم من تراب، ثم عفا عنهم وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فسُموا بذلك.
- رمضان ٨ هـ · السنة ٢١ من البعثة · يناير ٦٣٠ م · سن ٦٠بيعة أهل مكة رجالًا ونساءبعد أن أسلم أهل مكة جلس النبي ﷺ بالصفا فبايعهم على الإسلام، ثم بايع النساء على ألا يشركن بالله شيئًا، وفيهن هند بنت عتبة متنكرة خشية أن يُعرف موقفها من حمزة.