غزوة تبوك
خرج النبي ﷺ بأكبر جيش أخرجه المسلمون إلى تبوك لملاقاة الروم، فصرح بالوجهة خلافًا لعادته، وتخلف المنافقون وثلاثة صادقون، فلم يلق قتالًا وصالح أهل أيلة ودومة الجندل، وهدم مسجد الضرار.
شرح مصوَّر
السيرة النبوية الحلقة 27 ( معركة تبوك ) HD
الشيخ نبيل العوضي
الرواية
خرج رسول الله ﷺ في رجب سنة تسع بجيش عظيم بلغ ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش أخرجه المسلمون قط، وكانت العادة أن النبي ﷺ إذا أراد غزوة ورّى بغيرهاأخفى وجهته الحقيقية موهمًا بغيرها، من أساليب الخداع الحربي المشروع، لكنه في هذه الغزوة صرح للناس بالوجهة والعدو لبعد الشقة وشدة الحر وكثرة العدو، ليتأهب الناس أهبتهم. واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة عليّ بن أبي طالب، فقال بعض المنافقينحدّاد يعمل الحديد ويصنع الأدوات والسيوف إرجافًا: ما خلّفه إلا استثقالًا له، فأخذ علي سلاحه حتى أدرك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أتُخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي؟» فرجع علي إلى المدينة راضيًا.[٦] وتخلف عبد الله بن أبي المنافق بمن معه من المنافقينحدّاد يعمل الحديد ويصنع الأدوات والسيوف، وبنوا مسجدًا بقباء - مسجد الضرار - ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًاترقبًا وتحسبًا، كمن يُعِدّ مكانًا لمن يحاربه لمن حارب الله ورسوله من قبل، وطلبوا من النبي ﷺ أن يصلي فيه فأجّل ذلك حتى رجوعه من تبوك، فلما رجع أرسل من هدمه وأحرقه.[١] وفي الطريق قال رجل من المنافقينحدّاد يعمل الحديد ويصنع الأدوات والسيوف في مجلس من مجالس القوم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء - أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال له رجل: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فأتاه فأخبره فنزل القرآن بذلك، وأدركه عبد الله بن عمر بعدها متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول ولا يلتفت إليه: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟».[٧][٨]
وتخلف عن الغزوة أيضًا ثلاثة من الصادقينحدّاد يعمل الحديد ويصنع الأدوات والسيوف لم يكن بهم نفاق: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فلما قدم النبي ﷺ من تبوك أمر بمقاطعتهم فلم يكلمهم أحد من المسلمين خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، حتى نزلت توبتهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾، فبشّر النبي ﷺ كعبًا بتوبة الله عليه، فقام كعب يشق الناس حتى دخل المسجد فقام إليه طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحه وهنّأه.[٢]
وفي الطريق ضرب أبو خيثمة الأنصاري مثالًا في العزيمة على الجهاد، فقد كان قد تخلف عن الخروج مع الجيش، فلما اشتد به الحر رجع إلى امرأتيه فوجد كل واحدة منهما قد رشّت له عريشكوخ أو مظلة من سعف النخل يُستظل بهاها وبردت له الماء وهيأت له طعامًا، فقال: يكون رسول الله ﷺ في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟ ما هذا بالنصف، والله لا أدخل عريشكوخ أو مظلة من سعف النخل يُستظل بها امرأة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ، فتجهز وركب ناقته حتى أدرك النبي ﷺ وهو نازل بتبوك، فلما رآه الناس مقبلًا على الطريق قال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة»، فلما دنا إذا هو هو، فنزل فسلّم على النبي ﷺ فقال له خيرًا.[٥] ولما سار الجيش أصاب الناس عطش شديد حتى نحروا بعض إبلهم واعتصروا من كروشها، فدعا رسول الله ﷺ عند بئر قليلة الماء فغرف منها غرفة ثم مضمض فاه بها وردها إليها ودعا بما شاء الله أن يدعو، ففاضت البئر حتى استقى الجيش كله وملأ القِرب، ومر الجيش في طريقه بديار ثمود بالحِجر فأمرهم النبي ﷺ ألا يدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وهم باكون خشية أن يصيبهم مثل ما أصابهم. فلما بلغ تبوك أقام بها عشرين ليلة ولم يلق قتالًا، إذ لم يكن للروم جمع محقق هناك، فصالح يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة على الجزية، وأهل جرباء وأذرح كذلك، وبعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأسر أكيدر بن عبد الملك صاحبها وصالحه على الجزية.[٣]
آيات نزلت في هذا السياق
- سورة التوبة ١١٧–١١٩قراءتها في Quran.com ↗مكانها في مسار الوحي ←
- سورة التوبة ٦٥–٦٦قراءتها في Quran.com ↗
وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ
سبب النزول: استهزاء بعض المنافقين بالقراء من أصحاب النبي ﷺ في مسير تبوك
مكانها في مسار الوحي ← - سورة التوبة ٢٥قراءتها في Quran.com ↗مكانها في مسار الوحي ←
أحداث فرعية ورِوايات
- نحو رجب ٩ هـ · السنة ٢٢ من البعثة · سبتمبر ٦٣٠ م · سن ٦١تجهيز جيش العسرةأمر النبي ﷺ بالتجهز لغزو الروم في حر شديد ووقت طيب الثمار، فسُمي جيش العسرة، فأنفق عثمان وأبو بكر بكل مالهما وعمر بنصف ماله، وبكى البكاءون الذين لم يجدوا ما يحملهم.
- نحو رجب ٩ هـ · السنة ٢٢ من البعثة · أكتوبر ٦٣٠ م · سن ٦١وفاة عبد الله ذي البِجادين ودفن النبي ﷺ له بيدهجرّد عمّ عبد الله بن عبد نُهم المزني كل ما يملك حين أسلم حتى ثوبيه، فشقّت أمه له بجادًا نصفين فارتدى بهما وهاجر وحده، فسماه النبي ﷺ عبد الله ولقبه ذا البجادين، فلما مات في غزوة تبوك نزل النبي ﷺ في قبره مع أبي بكر وعمر ودعا له.
- نحو شعبان ٩ هـ · السنة ٢٢ من البعثة · نوفمبر ٦٣٠ م · سن ٦١سرية خالد إلى أُكيدر دومة الجندلبعث النبي ﷺ من تبوك خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، فأسره بحيلة صيد الوحش وأتى به إلى النبي ﷺ فصالحه على الجزية وحقن دمه.
- نحو رمضان ٩ هـ · السنة ٢٢ من البعثة · ديسمبر ٦٣٠ م · سن ٦١مسجد الضراربنى نفر من المنافقين مسجدًا بقباء ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، فأنزل الله فيه آيات من سورة التوبة، فأمر النبي ﷺ بهدمه وإحراقه عند عودته من تبوك.
- رمضان ٩ هـ · السنة ٢٢ من البعثة · ديسمبر ٦٣٠ م · سن ٦١توبة الثلاثة الذين خُلفواتخلف كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية عن تبوك بلا عذر، فأمر النبي ﷺ بمقاطعتهم خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم أنفسهم، فأنزل الله توبتهم في سورة التوبة.